A PHP Error was encountered

Severity: Notice

Message: Only variable references should be returned by reference

Filename: core/Common.php

Line Number: 239

موقع السيدة عائشة - بيت علَّم الدنيا الحب
الخميس الموافق لـ 22 أغسطس 2019

 

معرض الصور   شاركنا المرئيات الصوتيات المنتدى عن الموقع الرئيسية
     
 
 
     
     
بيت علَّم الدنيا الحب
تحت قسم مقالات و خواطر
الكاتب عادل مناع
تاريخ الاضافة 2016-12-20 01:44:06
المشاهدات 565
أرسل الى صديق اطبع حمل المقال بصيغة وورد ساهم فى دعم الموقع Bookmark and Share

 

 

 

من أعظم ما جَبَلَ الله عليه البشر ميلُ الجنسين - الذكر و الأنثى - كليهما إلى الآخر، حيث إنهما في الأصل وحدة واحدة ، كان الرجل ، ثم كانت منه المرأة ، و أودع الله في كلٍّ منهما للآخر ذلك الحنينَ السرمدي ، حنين الكل إلى جزء انساب منه ، و حنين الجزء إلى كلٍّ كان يحويه ، هذا الحنين إلى الاندماج العاطفي و الروحي و الجسدي ، هو الذي كان به حفظُ الجنس البشري .

و الإسلام كدين يراعي فطرة البشر ، لم يهمل جانبَ الإشباع العاطفي ، حيث إن العاطفة لا بد لها من انطلاقة، فكان الزواج هو الرابطةَ المقدسة التي تحتوي بدفئها الحبَّ بين الطرفين .

الحب بين الزوجين كان - ولا يزال - دعامة حيوية لاستمرار الحياة الزوجية و نجاحها ، و كذا هو محل اهتمام من قِبل الإسلام ، هذا الاهتمام لا يُرجَى له بيانٌ أوضح و أعمق من واقع النبي - صلى الله عليه و سلم - الذي أودع الله فيه - مع الخلق الفريد - الشفافيةَ ، و الحس المرهف ، و العاطفة الحية ، و التي لا نستنكف عن الترنم بها ؛ إذ هي من مظاهر تكامل شخصيته - صلى الله عليه و سلم - و استيعابِها لكل خصال الخير ، و لم يعرف البشر حبًّا أسمى و أروع من ذلك البيت الذي تألَّق بين جدرانه الحبُّ في أعلى و أطهر صورِه ، إنه بيت النبي - صلى الله عليه و سلم - و عائشة ، ذلك البيت الذي علَّم الدنيا الحب .

بالرغم من قيامه - صلى الله عليه و سلم - بأعباء الرسالة ، و الجهاد و الكفاح المستمرين ، إلا أنه لم يتنازل عن مراعاة الجانب العاطفي لدى زوجته الحبيبة ، يُسأل النبي - صلى الله عليه و سلم - : من أحب الناس إليك ؟ ، فيقول : " عائشة " ، فيُقال : من الرجال ؟ ، فيقول : " أبو بكر " ، يعلنها صراحة دون حرج ، و كأنه يعتز بمحبته عائشة ، حتى إن هذه المحبة كانت معروفة لدى الصحابة ؛ مما حدا بهم إلى انتظار نوبة عائشة ؛ ليقدموا الهدايا لرسول الله - صلى الله عليه و سلم - بل إنه في خلافة عمر فرض الفاروق لأمهات المؤمنين عشرة آلاف ، و زاد عائشة ألفين ، فسُئل عن ذلك ، فقال : " إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه و سلم " .
و كان مسروق - رحمه الله - إذا روى عن عائشة قال : " عن الصدِّيقة بنت الصدِّيق ، حبيبة رسول رب العالمين " .

 
و في مرضه - صلى الله عليه وسلم - الذي مات فيه ، كان من شوقه لعائشة أن كان يسأل نساءه : " أين أنا غدًا ؟ " ، ففهمْنَ أنه يريد عائشة ، فأذِنَّ له أن يمرَّض في بيتها ، و قد كان هذا الحب قرينَ طاعة الله ؛ إذ كان النبي يصلي في فراش عائشة ، و يتنزل عليه الوحي في فراشها ، و يقرأ القرآن في حجرها .

لذا يقول ابن القيم في "الجواب الكافي" : " إن عشق النساء ثلاثة أقسام: قسم هو قربة و طاعة ، و هو عشق الرجل امرأته ، و هذا العشق عشق نافع ، فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح ، و أكفُّ للبصر و القلب عن التطلع إلى غير أهله ؛ و لهذا يحمد هذا العشق عند الله و عند الناس " .

و كانت عائشة تدرك محبة النبي لها ، و تحبه حبًّا شديدًا ، فها هو النبي - صلى الله عليه و سلم - يداعبها بكلماته التي تفيض حبًّا و حنانًا : " إني أعرف عندما تكونين غاضبة مني ، تقولين : وربِّ إبراهيم ، و عندما تكونين راضية عني ، تقولين : ورب محمد " ، فتقول هي في حنان معبِّرة عن عظيم محبتها : " والله يا رسول الله ، لا أهجر إلا اسمك " .

و بلغت محبتها مبلغًا عظيمًا جعلها تشتد في الغيرة عليه، و من ذلك أنه في بعض أسفاره أقرع بين نسائه ، فطارت القرعة على عائشة و حفصة ، فكان يسير بالليل مع عائشة و يحدثها ، فطلبت حفصة من عائشة أن تبادلها البعير ، فجاء النبي - صلى الله عليه و سلم - إلى جمل عائشة و عليه حفصة ، فسلم و سار معها ، فافتقدتْه عائشة فغارت ، و جعلت رجلها بين الإذخر - الذي غالبًا ما توجد فيه الهوام - و تقول : " يا رب ، سلط عليَّ عقربًا تلدغني ، رسولك و لا أستطيع أن أقول شيئًا " .

و لما خيَّر النبي نساءه في البقاء معه؛ امتثالاً لأمر الله : ﴿ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28، 29] ، فبدأ بعائشة : " إني أريد أن أعرض عليك أمرًا، أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك " ، فتلا عليها الآية ، قالت بغير تمهل : " أفيك أستشير أبويَّ ؟! بل أختار الله و رسوله و الدار الآخرة " .

و يمكننا القول بأن هذه العاطفة السامية في قلبَيِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجه الطاهرة، شمسٌ ترسل أشعتها في حياة كل الأزواج المحبين؛ كي يستضيئوا بضيائها، ويضبطوا هذه المحبة وفقًا لما قعَّدتْه علاقة النبي بعائشة؛ فإن لنا فيه أسوةً في كل شيء.

فمن ذلك :

1- التعبير و الإفصاح عن هذا الحب ، و هو مما يزيد الرابطة بين الزوجين ، و ها هو النبي - صلى الله عليه و سلم - يصرح في أكثر من موضع بحبه لعائشة ، فتدخل عليه فاطمة و تقول : " إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة " ، فقال : " أيْ بُنية ، ألستِ تحبين ما أحب ؟ " ، قال النووي : " أي : في محبة القلب " .

2- أن المحبة لا تسوغ التهاون في أمر الله ، أو الحيدة عن الحق ، فكان النبي - صلى الله عليه و سلم - لا تحمله محبة عائشة على الجَوْر في القسمة بينها و بين سائر أزواجه ، و ذات يوم غارتْ عائشة من حسن ثناء النبي - صلى الله عليه و سلم - على خديجة ، فقالت عائشة : " ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق ، قد أبدلك الله - عز وجل - بها خيرًا منها " ، فيقول واضعًا الأمور في نصابها : " ما أبدلني الله - عز وجل - خيرًا منها ؛ قد آمنتْ بي إذ كفر بي الناس ، و صدَّقتْني إذ كذبني الناس ، و واستني بمالها ... " .

3- أن المحبة الصادقة تعني إيثار محابِّ الطرف الآخر ، و قد كان النبي - صلى الله عليه و سلم - يتابع عائشة على ما تحب ، ما لم يكن محظورًا ، و لما قام النبي - صلى الله عليه و سلم - ذات ليلة وهو عند عائشة ، قال : " ذريني أتعبد لربي " ، قالت : " والله إني لأحبُّ قربَك ، و أحب ما يَسرُّك " .

4- أن هذه المحبة لا بد من ترجمتها إلى واقعٍ يعبر عنها ، و قد كان ذلك واضحًا جليًّا في حياة النبي ، الذي تمثل أعلى درجات الأدب و الذوق الرفيع ، تراه يتعمد الشربَ من موضع فِي عائشةَ و هي حائض ، بل و يباشرها فيما دون الفرج في حيضتها ، و ذلك من وجهة نظري وأدٌ لما كان من عادات الجاهلية و ما تضمنته من استقذار المرأة حال الحيض .

و ترى النبي من ناحية أخرى يتلطَّف في حديثه معها ، فيناديها بـ " عائش " ، و هو ما يعد عند العرب تدليلاً ، و يعدُّ حديث ( أم زرع ) الطويل - الذي ذكرتْه عائشة أمام النبي - مثالاً فريدًا للاستماع العاطفي ، الذي ينصت فيه المستمع بأذنه و كيانه ، متفاعلاً مع المتكلم ، مهتمًّا بما يقول ، فحديث تزيد عددُ كلماته على ثلاثمائة ، و النبي لم يقاطع بكلمة ، و ينصت باهتمام و تركيز ، مع ما لديه من شواغل ، لهو - والله - قمة الذوق و الأدب مع الزوجة .

و لقد كان - صلى الله عليه و سلم - يهتم بالجانب الترفيهي الذي يُدخِل عليها السرور ، فتقول عائشة : " كنت أغتسل أنا و رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من إناء بيني و بينه ، فيبادرني حتى أقول : دعْ لي ، دع لي" ، و هو ما يوحي بجو المرح و المداعبة .

بل كان - و هو صاحب الكفاح المستمر و المهام العظيمة - يسابق عائشةَ ، فتسبقه مرة ، و يسبقها أخرى ، و لم يستنكف الحبيب أن يكون في خدمتها ، مؤصِّلاً بذلك معاني الرجولة و قوة الشخصية من أنها ليست بالغلظة و الجفاء و التسلُّط ، فإنه كان مع كل هذا الحب و الحنان حازمًا في موضع الحزم ، كما دافع بحزم عن خديجة - رضي الله عنها - و التي كانت تغار منها عائشةُ برغم أنها ليست على قيد الحياة .

و إذا سألتَ عن التغافل و التغاضي ، فإنه كان فنًّا لم يوازِ أحدٌ فيه رسولَ الله - صلى الله عليه و سلم - فقد تُراجِعه أو تحتد عليه ، فيتحملها عن غير ضعف ، و قد يتخاصمان و يحتكمان إلى أبيها ، قالب من الحياة وردي ، ينم عن أسمى و أنبل عاطفة كانت لقلبين .

5- لقد نسف ذلك الحبُّ الطاهر بين النبي و زوجه ، كلَّ مزاعم الزاعمين من أن الزواج لا بد و أن تسبقه علاقة عاطفية ، ينبني عليها العش السعيد ، فهذا محض هراء ، فالواقع يشهد أن أغلب الزيجات التي قامتْ على أساس الحب المجرد عن النظر في معايير الانتقاء التي بيَّنها الإسلام ، تبوء بالفشل ، و يموت على أعتابها الحب بين الطرفين ، حيث تختفي اللهفة ، و تخفتُ النارُ المتأججة ، فلا يكون ثمة ما يعول عليه في نجاح الحياة الزوجية ، سوى الأخلاق و العشرة الطيبة ، و هو ما لم يُراعَ في الغالب عند الانسياق وراء العاطفة .

أما الحب الذي ينشأ بعد الزواج ، فهو الحب السامي الشامخ ، الذي لا تنال منه العواصف ؛ إذ إنه حب حقيقي ، قام على أساس من الطاعة و الواقعية .

فتلك هي صورة الحب الحقيقي الطاهر ، لا ما تأصَّل في حس الناس من أن صورته تتمثل في العلاقة بين اثنين بغير زواج ، يسيرانِ مشبكين يديهما ، و يبنيان المستقبل المشرق ، عبر الأحلام الوردية ، و لا مانع من القبلات و العناق ، ما دام الزواج هدفًا ، و بعد الزواج - إن تم - يتساءل كل منهما : أين الشوق ؟! أين اللهفة ؟! أين النار المستعرة ؟! لقد ذهب كل ذلك ؛ لأنّ الأساس كان واهيًا .

صلوات ربي و سلامه عليك يا رسول الله ، و رضي الله عنكِ يا أم المؤمنين ؛ فقد علَّمتما البشرية كيف يكون الحب .






Bookmark and Share


أضف تعليق
 
     
   
     
     
جميع الحقوق محفوظه تصميم وتطوير